‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحكم العطائية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحكم العطائية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 22 يوليو 2017

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 52 "


سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 52 ":

" إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه ورادا ".

أي: إنما أورد الله عليك - أيها المريد - الوارد وهو ما يرد على قلبك من المعارف
الربانية واللطائف الرحمانية, لتكون به ـ أي بذلك الوارد المطهر لقلبك ـ عليه سبحانه واردا. فإن الحضرة منزهة عن كل قلب متكدر بالآثار متلوث بأقذار الأغيار .

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 51 "

سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 51 ":

"لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده ويحتقر عندك وجوده ".

أي: لا عمل من أعمال البر أكثر رجاء للقبول ـ أي لقبول الله له ـ وفي نسخة للقلوب أي لإصلاحها من عمل يغيب عنك شهوده, لأنك إن غبت عن شهود عملك فقد بقيت حينئذ بربك وصار وجود العمل محتقرا عندك لاتهامك لنفسك في القيام بحقه .
ولذا قال بعض العارفين : كل شيء من أفعالك إذا اتصلت به رؤيتك فذلك دليل على أنه لا يقبل منك لأن المقبول مرفوع الوارد. وعلى المريد التحرر من رق الآثار.. وفضاء الشهود مطايا القلوب. وما هو مغيب عنك, وما انقطعت عنه رؤيتك فذلك دليل على القبول. يشير إلى قوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه }” 10 “ فاطر

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 50 "

سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 50 ":

" لا صغيرة إذا قابلك عدله, ولا كبيرة إذا واجهك فضله. "

أي: لا صغيرة من ذنوبك بل كلها كبائر إذا قابلك عدله تعالى. فإن صفة العدل إذا ظهرت على من أبغضه الله تلاشت حسناته وعادت صغائره كبائر, لأنه يعذبه على أصغر ذنب. ولا كبيرة إذا واجهك فضله.. وهو إعطاء الشيء بغير عوض, فإن صفة العدل إذا ظهرت لمن أحبه اضمحلت سيئاته وبدلت حسنات.
وأنا أقول كما قال الإمام الشاذلي: اللهم اجعل سيئاتنا سيئات من أحببت ولا تجعل
حسناتنا حسنات من أبغضت. فالإحسان لا ينفع مع البغض منك والإساءة لا
تضر مع الحب منك.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 49 "


سلسلة شرح الحكم العطائية,, الحكمة رقم ” 49 ":

"من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلات."

أي: إن عدم حزنك - أيها المريد - على ما فاتك من ـ الموافِقات بكسر الفاء ـ ..
أي: الطاعات الموافقة للشرع وترك ندمك على ما فعلته من وجود الزلات أي المعاصي التي توجد منك علامة موت قلبك, ويفهم منه أن سرورك بالطاعة وحزنك على المعصية علامة حياتك. لما في الحديث: " من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن " . فإن الأعمال الحسنة علامة على رضا الحق ورضاه يقتضي السرور. والأعمال السيئة علامة على غضبه وغضبه يقتضي الحزن . فمن رضي الله عنه وفقه لصالح الأعمال. ومن غضب عليه تركه في زوايا الإهمال. أسأل الله التوفيق لأقوم طريق.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 49 "


سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 49 ":

"لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله تعالى, فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه."

لما أفهم كلامه أن الندم على المعصية حياة القلب أشار بهذا إلى أن المراد الندم الذي لا يؤدي لليأس من رحمة الله تعالى . فالمطلوب أن تكون خائفا راجيا. فالخوف يحملك على التوبة من الذنب, والرجاء يطمعك في القبول. فإن من عرف ربه باللطف والفضل والامتنان استصغر في جنب كرمه ذنبه أيا كان من الصغائر والكبائر.. ولم يطلب لمقابلة الطاعات العدل بل الفضل. فعدم رؤيتك للأعمال علامة لقبولها.
قال الله تعالى : { أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ” 48 “ النساء . والله در القائل:

ذنوبي أن فكرت بها كثيرة ** ورحمة ربي من ذنوبي أوسع

هو الله مولاي الذي هو خالقي ** وإنني له عبد أذل وأخضع

وما طمعي في صالح قد عملته ** ولكنني في رحمة االه أطمع

سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم " 47 “

سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم " 47 “:

"لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه, لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره, فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة, ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور, ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور { وماذلك على الله بعزيز }” 20 “ إبراهيم.

أي: لا تترك - أيها المريد - الذكر الذي هو منشور الولاية لعدم حضور قلبك مع
الله فيه لاشتغاله بالأعراض الدنيوية, بل اذكره على كل حال, لأن غفلتك عن وجود ذكره بأن تتركه بالكلية أشد من غفلتك في وجود ذكره لأنك في هذه الحالة حركت به لسانك وإن كان قلبك غافلا عن المذكور. فعسى أن يرفعك أي يرقيك بفضله من ذكر مع وجود غفلة عنه إلى ذكر مع وجود يقظة أي تيقظ قلب لما يناسب حضرته من الآداب, ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور في حضرة الاقتراب, ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور, فتفنى حتى عن الذكر. وفي هذا المقام ينقطع ذكر اللسان ويكون العبد محوا في وجود العيان. كما قال بعض أهل هذا المقام:

ما أن ذكرتك إلا هم يقتلني ** سري وقلبي وروحي عند ذكراكا

حتى كأن رقيبا منك يهتف بي ** إياك ويحك والتذكار إياكا

أما ترى الحق قد لاحت شواهده ** وواصل الكل من معناه معناكا

وإذا صدر ذكر اللسان في هذا المقام فإنه يخرج من غير قصد ولا تدبر, بل يكون
الحق المبين لسانه الذي ينطق به, لأن صاحبه في مقام الحب المشار إليه بالحديث : " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به " إلى آخر الحديث وهذه المراقي لا يعرف حقيقتها إلا السالكون.. فقابلها بالتسليم أن لم تكن من أهلها { ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون }” 18 “ الجاثية.
وخذ في الأسباب يرتفع عنك الحجاب { وما ذلك على الله بعزيز }” 20 “ إبراهيم.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم " 46 "

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم " 46 ":

"حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال, وحسن الأحوال من التحقق في مقامات الإنزال."

يعني: أن الأعمال الحسنة إنما هي نتائج الأحوال الحسنة القائمة بالقلب من الزهد في الدنيا والإخلاص الله تعالى لا لطلب حظ عاجل ولا ثواب آجل .
وحسن الأحوال ناشئ من التحقق أي التمكن في مقامات الإنزال أي في المقامات التي تنزل في قلوب العارفين وهو كناية عن المعارف الإلهية التي يوردها االله تعالى على قلوبهم فتكون سببا في رفع الدعوى وعدم التعلق بغير المولى.. وهذه الثلاثة المذكورة مرتب بعضها على بعض, وبهذا اتضح قول الإمام الغزالي: لا بد في كل مقام من مقامات اليقين من علم وحال وعمل, فالعلم ينتج الحال والحال ينتج العمل.

سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 45 "

سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 45 ":

"ما قل عمل برز من قلب زاهد ولا كثر عمل برز من قلب راغب."

يعني : أن العمل الصادر من الزاهد في الدنيا كثير في المعنى وإن كان قليلا
في الصورة لسلامته من الآفات القادحة في قبوله,, من الرياء والتصنع للناس
وطلب الأعراض الدنيوية. بخلاف الصادر من الراغب فيها.. فإنه على العكس من
ذلك. وقد شكا بعض الناس لرجل من الصالحين أنه يعمل أعمال البر ولا يجد لها حلاوة في قلبه. فقال: لأن عندك بنت إبليس وهي الدنيا ولا حسن الأعمال وحسن الأحوال.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 44"

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 44"

" ربما كنت مسيئا فأراك الإحسان منك صحبتك إلى من هو أسوأ حالا منك."

فإن صحبتك ـ أي انضمامك إلى من هو أسوأ حالا منك ـ سبب لتغطية عيوب نفسك ورؤية كمالها بالنسبة لغيرك فتقع في مهاوي الإعجاب والزهو بالأعمال التي ربما كانت في الحقيقة كسراب.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 43 "


سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 43 ":

" لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله."

أي: لا تصحب من لا يرقيك حاله الذي هو عليه لعدم علو همته فإن الطبع سراق كما قال بعضهم:
بني: اجتنب كل ذي بدعة ** ولا تصحبن من بها يوصف
فيسرق طبعك من طبعه ** وأنت بذلك لا تعرف

بل اصحب شيخا عارفا ينهضك حاله بأن تكون همته متعلقة بالله تعالى فلا يلجأ إلا إليه ولا يتوكل في جميع أموره إلا عليه ويدلك على الله مقاله لمعرفته بالله تعالى. فصحبة الأخيار أصل كبير في طريق القوم.. وأما صحبة الأشرار ففيها كبير اللوم لما فيها من عظيم الآفات الموجبة إلى رجوع القهقرى والانحطاط عن علي الدرجات كما قال المصنف.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم " 42 "


سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم " 42 ":

"لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير.. والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه, ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون { وأن إلى ربك المنتهى }” 42 “ النجم

وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: " فمن كانت هجرته إلى االله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " . فافهم قوله عليه الصلاة و السلام, وتأمل هذا الأمر أن كنت ذا فهم. أي: لا تطلب بأعمالك الصالحة عوضا ولو في الآخرة. فإن الآخرة كون كالدنيا والأكوان متساوية في أنها أغيار, وإن وجد في بعضها أنوار بل اطلب وجه الكريم المنان الذي كون الأكوان وفاء بمقتضى العبودية وقياما بحقوق الربوبية لتحقق بمقام: { وأن إلى ربك المنتهى } ” 42 “ النجم. وهذا مقام العافين الذين رغبوا عن طلب الثواب ومحضوا النظر إلى الكريم الوهاب فتحققوا بمقام الإخلاص الناشئ عن التوحيد الخاص. وأما من فر من الرياء في عباداته وطلب بها الثواب فقد فر من كون إلى كون بلا ارتياب فهو كحمار الرحى أي
الطاحون يسير ولا ينتقل عما سار منه لرجوعه إليه. وفي هذا التشبيه التنفير عن هذا الأمر ما لا مزيد عليه وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله " أي نية وقصدا " فهجرته إلى الله ورسوله " أي وصولا. فلم يتحد الشرط والجزاء في المعنى . فقوله : " فهجرته إلى الله ورسوله " هو معنى الارتحال من الأمر بمصاحبة من يدلنا على الله بترك الأكوان إلى المكون وهو المطلوب من العبد. وقوله: " فهجرته إلى ما هاجر إليه " هو البقاء مع الأكوان وهو المنهي عنه.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 41 “

سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 41 “:


"العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك عنه.. ويطلب ما لا بقاء له معه { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ” 46“ الحج.

أي: العجب الكامل من العبد الذي يهرب - بضم الراء من باب نصر - أي يتباعد من ربه الذي لا انفكاك له عنه بأن لا يفعل ما يقربه إليه مع توارد إحسانه عليه.. ويطلب ما لا بقاء له معه وهو ـ الدنيا وكل شيء سوى الله ـ بأن يقبل على شهواته ويتبع شيطانه وهواه. وما ألطف ما قيل لمن هو من هذا القبيل:
تفنى اللذائذ يا من نال شهوته ** من المعاصي وبيقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء لا انفكاك لها ** لا خير في لذة من بعدها النار

وهذا إنما يكون من عمى البصيرة ـ التي هي عين القلب ـ حيث استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.. وآثر الفاني على الباقي. فإنها ـ أي القصة والشأن ـ ..وجملة لا تعمى الأبصار خبر مفسر لها. وفي الآية إشارة إلى أن عمى الأبصار بالنسبة لعمى البصائر كالأعمى.. فإن عمى الأبصار إنما يحجب عن المحسوسات الخارجية.. وأما عمى البصائر أي عيون القلوب فإنه يحجب عن المعاني القلبية والعلوم الربانية.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 40 "


سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 40 ":

" إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه,, حسن ظنك به لأجل معاملته معك.. فهل عودك إلا حسنا ؟ وهل أسدى إليك إلا مننا؟"

اعلم أن تحسين الظن بالله تعالى أحد مقامات اليقين.. والناس فيه على قسمين: فالخاصة يحسنون الظن به لاتصافه بالصفات العلية والنعوت السنية. والعامة لِما عودهم به من الإحسان وأوصله إليهم من النعم الحسان.. فإن لم تصل - أيها المريد - إلى مقام الخاصة فحسن ظنك به لحسن معاملته معك.. فإنه ما عودك إلا عطاء حسنا.. ولا أسدى ـ أي أوصل إليك ـ إلا مننا.. والله عودك الجميل. فقس على ما قد مضى..
وينبغي للعبد أن يحسن الظن بربه في أمر دنياه وأمر آخرته. أما أمر دنياه فأن
يكون واثقا بالله تعالى في إيصال المنافع إليه من غير كد ولا سعي أو بسعي خفيف مأذون فيه مأجور عليه بحيث لا يفوته شيئا من فرض ولا نفل فيوجب له ذلك سكونا وراحة في قلبه فلا يستفزه طلب ولا يزعجه سبب. وأما أمر آخرته فأن يكون قوي الرجاء في قبول أعماله الصالحة.. فيوجب له ذلك المبادرة لامتثال الأوامر والتكثير من أعمال البر. ومن أعظم مواطن حسن الظن باالله تعالى حالة الموت لما في الحديث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باالله ".. وورد : " أنا عند ظن عبد بي فليظن بي ما شاء"
** ليس أعجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه . . الرحلة من الأكوان إلى
المكون سبحانه.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 39 “


سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 39 “:

"لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك, فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعا؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه, فكيف يستطيع أن يكون لها عن غير رافعا؟ "

أي:لا ترفعن إلى غيره تعالى حاجة كفقر أو نازلة هو موردها عليك اختبارا لك, بل ارفع إليه ذلك فإنه سبحانه يحب أن يسأل, وفي الحديث : " من لم يسأل الله يغضب عليه " . وما ألطف قول بعضهم:
لا تسألن بني آدم حاجة ** وسل الذي أبوابه لا تحجب
فالله يغضب أن تركت سؤاله **وبني آدم حين يسأل يغضب

ومن المحال أن يرفع غيره سبحانه ما كان هو له واضعا, فإن الله غالب على أمره, والعبد شأنه العجز عن رفع النازلة عن نفسه, فكيف يستطيع أن يرفعها عن غيره؟ فالطلب من الخلق غرور وباطل, وليس تحته عند أرباب البصيرة طائل, وهذا إذا كان على وجه الاعتماد عليهم والاستناد إليهم مع الغفلة في حال الطلب عن الله تعالى. وأما إذا كان من باب الأخذ بالأسباب مع النظر إلى أن المعطي في الحقيقة الملك الوهاب فهو من هذا الباب. والله أعلم بالصواب.

شرح الحكم العطائية الحكمة رقم 38


شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم 38:

"لا تتعد نية همتك إلى غيره فالكريم لا تتخطاه الآمال".

أي: لا تجعل قصدك متعديا إلى غيره تعالى.. فالكريم لا تتخطاه آمال المؤملين..
فإن ذا الهمة العلية يأنف من رفع حوائجه إلى غير كريم.. ولا كريم على الحقيقة إلا رب العالمين . وأجمع العبارات في معنى وصف الكريم ما قيل: الكريم هو الذي إذا قدر عفا.. وإذا وعد وفى.. وإذا أعطى زاد على منتهى الرجا.. ولا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى.. وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى.. وإذا جفي عاتب وما استقصى.. ولا يضيع من لاذ به والتجا.. ويغنيه عن الوسائل والشفعاء. فإذا كانت هذه الصفات لا يستحقها أحد سوى الله تعالى فينبغي أن لا تتخطاه آمال المؤملين . كما قال بعض العارفين:

حرام على من وحد الله ربه ** وأفرده أن يجتدي أحدا رفدا

ويا صاحبي قف بي مع الحق ** وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا

وقل لملوك الأرض تجهد جهدها ** فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى.

شرح الحكم العطائية..الحكمة رقم 37


شرح الحكم العطائية..الحكمة رقم 37:

" كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان".

أي كينونة لا يصحبها زمان ولا مكان فإنهما من مخلوقاته. والمراد بهذه الحكمة
أنه لا شيء معه في أبده.. كما لم يكن معه شيء في أزله.. لثبوت أحديته .
يوضح ذلك قوله فيما سيأتي : الأكوان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته.

سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 36 "


سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 36 ":

"شعاع البصيرة يشهدك قربه منك.. وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده وحق البصيرة يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك".

يشير إلى ثلاث مراتب: فشعاع البصيرة ويعبر عنه بنور العقل وبعلم اليقين
يشهدك قربه تعالى منك قرب علم وإحاطة فتستحي منه أن يراك حيث نهاك
أو يفقدك حيث أمرك. وعين البصيرة ـ ويعبر عنه بنور العلم وبعين اليقين ـ
يشهدك عدمك لوجوده الذي تضمحل الموجودات معه, فإن وجودها عارية منه
كان الله ولا شيء معه. ذو الهمة يأنف من رفع حوائجه لغير الله.. وعند ذلك لا يبقى في نظرك ما تستند إليه سواه.. فإنك إذ ذاك لا تشهد إلا إياه. وحق البصيرة ـ ويعبر عنه بنور الحق وبحق اليقين ـ يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك.. فتكون في مشاهدة الحق حال كونك في مقام الفناء الكامل الذي تفنى فيه حتى عن فنائك استهلاكا في وجود سيدك
وبعد الفنا في الله كن ما تشا فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 35 "


سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 35 ":

"أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس.. وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها. ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه فأي علم لعالم يرضى عن نفسه ؟ وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه ؟"

يعني: أن النظر إلى النفس بعين الرضا يوجب تغطية عيوبها ويصير قبيحها حسنا. والنظر إليها بعين السخط يكون بضد ذلك على حد قول القائل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ** كما أن عين السخط تبدي المساويا
فمن رضي عن نفسه استحسن حالها فتستولي عليه الغفلة عن الله تعالى فينصرف قلبه عن مراعاة خواطره فتثور عليه الشهوة وتغلبه لعدم وجود المراقبة القلبية التي تدفعها فيقع في المعاصي لا محالة. فعطف الغفلة والشهوة على المعصية من عطف السبب على المسبب. وكذا عطف اليقظة والعفة على الطاعة فإن اليقظة التي هي التنبه لما يرضي الله تعالى والعفة التي هي علو الهمة عن الشهوات يتسبب عنهما الطاعة التي هي اتباع المأمورات واجتناب المنهيات . وإنما كان الرضا عن النفس أصل كل معصية لأنها أمارة بالسوء فهي العدو الملازم. وفي الحديث: " أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك " وناهيك قول يوسف الصديق: { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } ” 53 “ يوسف.. ولله در الإمام البوصيري حيث قال:
وخالف النفس والشيطان واعصهما ** وإن هما محضاك النصح فاتهم
ولا تطع منهما خصما ولا حكما ** فأنت تعرف كيد الخصم والحكم

ولما كان الرضا عن النفس من شأن من يتعاطى العلوم الظاهرية التي لا تدل على عيوب النفس نهى المصنف عن صحبتهم بقوله : ولأن تصحب ـ بفتح لام الابتداء الداخلة على أن المصدرية.. أي: لصحبتك جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك في تحصيل فائدة الصحبة ـ التي هي الزيادة في حالك ـ من أن تصحب عالما بالعلوم الظاهرية يرضى عن نفسه. فإن المدار في الانتفاع بالصحبة إنما هو على العلم بعظمة الله وجلاله وإحسانه الذي ينشأ عنه معرفة النفس وعيوبها لا على العلوم العقلية والنقلية. فأي علم - أي نافع - لعالم بالعلوم الظاهرية يرضى عن نفسه.. و أي جهل ضار لجاهل بالعلوم الظاهرية لا يرضى عن نفسه لعلمه بعيوبها.. فإنه وإن قلت بضاعته من الأحكام لابد أن يحصلها
بالوقائع على مدى الأيام. فلا ينبغي للمريد أن يصحب إلا من يكون عارفا بعيوب نفسه غير راض عنها ليقتدي به في أفعاله فإن الطبع سراق ـ كما قال بعضهم ـ:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ** فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ** ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى.

ساسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 34 "


ساسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 34 ":

" أخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناف لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبا ومن حضرته قريبا. "

أوصاف البشرية إما ظاهرة وهي أعمال الجوارح.. وإما باطنة وهي أعمال
القلب. وكل منهما إما طاعة وإما معصية. والنظر فيما يتعلق بالأعمال الظاهرة من طاعة أو معصية يسمى تفقها. وفيما يتعلق بالأعمال الباطنة يسمى تصوفا. ومتى صلح الباطن صلح الظاهر. فإن القلب كالملك والجوارح كالجنود التي لا تتخلف عن طاعته . وصلاحه إنما يكون بالتخلي عن كل وصف مناقض للعبودية كالكبر والعجب والرياء وغير ذلك.. والتحلي بالأوصاف المحمودة التي تقربه إلى السيد المالك كالتواضع والحلم والرضا والإخلاص في العبودية إلى غير ذلك من أوصاف الإيمان التي يكتسب بها أبهى مزية. فإذا تخلق المريد بذلك ناداه الحق بقوله له : يا عبدي فيجيبه حينئذ بقوله : لبيك يا ربي فيكون صادقا في إجابته محققا لنسبته. وهذه هي العبودية الخاصة لأن العبودية قسمان: عبودية ملك وقهر وهي عامة لكل المخلوقات كما في قوله تعالى : { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } ” 93“ مريم. وعبودية خاصة بأحبابه وهي المرادة بقول القاضي عياض: أصل الخطايا الرضا عن النفس . . ص 45

ومما زادني شرفا وتيها ** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي ** وأن صيرت أحمد لي نبيا

ويكون أيضا من حضرته تعالى قريبا لبعده عن نفسه التي من شأنها النفور عنها والفرار منها فمرتبة العبودية أنالته هذه الخصوصية. واعلم أن المراد بحضرة االله تعالى - حيث أطلقت في لسان القوم - شهود العبد أنه بين يدي الله تعالى.. فما دام هذا مشهده فهو في حضرة الله تعالى. فإذا حجب عن هذا المشهد فقد خرج منها. ثم أن هذا السلوك لا يتيسر إلا لمن حاسب نفسه وأخذ حذره منها.. كما قال المصنف.

سلسلة شرح الحكم العطائية الحكمة رقم ” 33 "


سلسلة شرح الحكم العطائية.. الحكمة رقم ” 33 ":


" الحق ليس بمحجوب وإنما المحجوب أنت عن النظر إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر . { وهو القاهر فوق عباده } ” 18 “ الأنعام

يعني أن الحجاب لا يتصف به الحق سبحانه وتعالى لاستحالته في حقه. وإنما المحجوب أنت أيها العبد بصفاتك النفسانية عن النظر إليه فإن رمت الوصول فابحث عن عيوب نفسك وعالجها فإن الحجاب يرتفع عنك فتصل إلى النظر إليه بعين بصيرتك وهو مقام الإحسان الذي يعبرون عنه بمقام المشاهدة . وقد استدل المصنف على استحالة الحجاب على رب الأرباببقوله: إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه أي عن النظر إليه ولو كان له ساترا لكان لوجوده أي ذاته حاصر أي محيط به لاستلزام الساتر لانحصار المستور فيه وكل حاصر لشيء فهو له قاهر لأنه يجعله في أسر قبضته وتحت حكمه.. وذلك لا يصح في حقه تعالى لقوله في كتابه: { وهو القاهر فوق عباده } ” 18 “ الأنعام.. فوقية معنوية لا مكانية.. فإنه تعالى منزه عن الزمان والمكان.